الجمعة، 20 فبراير 2009

أمطار قوم عند قوم مصائب


فيضانات وأموات أعادت سيناريو ما وقع نهاية السنة الماضية وطرحت علامات استفهام حول مسؤولية وزارة التجهيز والنقل والجماعات المحلية


خلفت الأمطار الأخيرة ببلادنا خسائر مادية وبشرية أودت بحياة 24 شخصا منذ 31 يناير الماضي، تاريخ إعلان مصالح الأرصاد الجوية الوطنية عن حدوث اضطرابات جوية في العديد من أقاليم المملكة. إضافة إلى خسائر في الممتلكات بعد تدمير آلاف المنازل ، كما أدت الفيضانات إلى تشريد آلاف الأسر وتدمير دواويير بكاملها فضلا عن انهيار المنازل وتخريب الطرقات والمنشآت والممتلكات وإتلاف المحاصيل الزراعية، وهذا الحدث يتكرر أكثر من مرة في السنة وفي أكثر من مدينة وقرية مغربية، مع تفاوت في عدد المناطق المنكوبة ودرجة تضررها وحجم تساقط الأمطار.

في كل مرة يمن علينا الله بأمطار الخير تغرق العديد من المدن والقرى المغربية في الأوحال والطين وأشياء أخرى...، والسبب بكل بساطة يكمن في انعدام البنيات التحتية أو وجود بنيات متآكلة، ليجد المواطن نفسه مرغما على مواجهة مشاكله بنفسه وبما أوتي من قدرة وتجربة ووسائل ولو أدى الأمر إلى وفاته أحيانا، وهذه النتيجة هي أهم ما ميز هذه الفيضانات الأخيرة.
الفيضانات وهشاشة البنيات التحتية وجهان لسيناريو واحد
مخلفات الأمطار التي شهدتها بلادنا الأسبوع الماضي أتت على الأخضر واليابس، في العديد من المدن المغربية فبسيدي سليمان مثلا انهار ما يزيد عن 400 منزل لتجد أكثر من 2000 أسرة نفسها عرضة للتشرد، فإذا كانت هذه الفيضانات قد مست البشر والحجر، فنصيب البنيات التحتية كان وكالعادة ظاهر للعيان مما يجعنا دائما ننتظر قدوم الفيضانات كي تعري لنا عن حقيقة ما أنجز وتكشف لنا آثار الغش في البنيات التحتية من طرق وقناطر وقنوات تصريف المياه والسكك الحديدية.
ليقف المرء حائرا أمام سؤال وظيفة كل أولائك المسؤولين والهيئات والمؤسسات المنصبة لخدمة المواطن فنحن نستورد الآلات الإلكترونية ونستورد القمح وقطع الغيار فماذا أنجزنا لأنفسنا؟
لقد أعادت هذه الفيضانات سيناريو أحداث ليست بالبعيدة تعود إلى بداية موسم التساقطات التي عرفها المغرب مع نهاية سنة 2008 والتي عكست هي الأخرى وبالملموس واقع البنيات التحتية وهاهي اليوم تؤكد ما وقع وما سيقع إذا لم يتدارك كل واحد مسؤوليته
التساقطات الأخيرة تهدد بتدمير عدة تجهيزات خاصة تلك المتعلقة بالطرق والقناطر، ومنها القنطرة الواقعة على وادي ويسلان والرابطة بين مدينتي مكناس وفاس على الطريق الوطنية إذ أن التساقطات الكبيرة التي شهدتها المنطقة وارتفاع صبيب النهر عمق الحالة الكارثية التي تعرفها القنطرة، وسيزداد الوضع سوءا إذا ما استمر سوء الأحوال الجوية .وفي جماعة أنركي بإقليم أزيلال بات المحور الطرقي الرئيسي الرابط بين "تاكلفت" " وأنركي" مقطوعا حيث كانت وزارة التجهيز والنقل قد رصدت له ما يناهز 7 ملايير سنتيم وانطلق العمل في أحد محاوره لكن رداءة أحوال الطقس أوقفت الأشغال، كما اختفت معالم الطريق الثانية الرابطة بين أنركي وتلكيت بعد أن جرفتها مياه "أسيف أملول" التي غمرت المنطقة وحالت دون تنقل السكان لقضاء مآربهم. والسبب في وقوع مثل هذه الكوارث يقول مسؤول في إحدى المجالس البلدية رفض ذكر اسمه هوهشاشة البنيات التحتية الأساسية، وعدم ملاءمتها للمعايير التقنية، إذ تعرضت مناطق واسعة لفيضانات جارفة ، بالإضافة إلى خسائر مادية. وهو ما يؤكد حسب نفس المصدر "وجود مجموعة من الخروقات والتلاعبات التي مست المال العام المخصص لبعض الأوراش، التي انتهت أشغال جلها، لكن التساقطات المطرية الأخيرة، كانت كفيلة بتعرية حقيقة تدبير الشأن المحلي بالمدن المنكوبة والشأن الوطني والذي تتحمل مسؤوليته وزارة التجهيز والنقل".
تهالك البنيات التحتية مسؤولية من؟
ما وقع في عدد من المدن المغربية خلال الأسبوع الماضي وحالة الاستنفار القصوى التي خلفها أعاد للأذهان أحداث الفيضانات التي خلفتها التساقطات خلال نهاية سنة 2008 والتي أبانت عن خلل كبير هي الأخرى في البنيات التحتية بمختلف أنواعها . وبالرجوع إلى سيناريو الأحداث ففي مدينة الحسيمة، تسببت الأمطار العاصفية والغزيرة في خسائر مادية مهمة، وحسب تقرير أعدته ولاية الجهة آنذاك، فإن الأمطار أدت إلى إتلاف بعض الأراضي الفلاحية، وانهيار عدد من القناطر، خاصة قنطرتي وادي النكور، وتازولاخت، على الطريق الوطنية رقم 2، الرابطة بين قسيطة والحسيمة، وكذا انهيار جزء من الطريق الرابطة بين الحسيمة وإمزورن، فضلا عن انجراف التربة بأربعاء تاوريرت، وشقران. كما تضررت ٍِ قنطرة (حد جبارنة) ،و قنطرة صغيرة تربط دائرة أكنول بجماعة بويسلي، كل هذه الأحداث تجعنا نتساءل عن دور الجماعات المحلية ووزارة التجهيز والنقل؟. ففي نفس السياق وجهت عقب تلك الفيضانات مجموعة من الهيئات الوطنية انتقادات حادة للمسؤولين في الوزارة الوصية حيث اعتبرت الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب في تصريح لرئيسها محمد طارق السباعي ل" مغرب اليوم" "أن السبب الرئيسي لوقوع العديد من انهيارات الطرق والقناطر والسكك الحديدية وأرصفة الموانئ كما حدث مؤخرا بميناء في طور البناء بالقصر الصغير يعود بالأساس إلى السياسة التي اتخذتها وزارة التجهيز والنقل بخفض الميزانيات المخصصة لصيانة الطرق والقناطر والموانئ والسكك الحديدية الخ وتحويلها لإنجاز مشاريع جديدة" وكرد فعل على ذلك كانت "الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب" قد طالبت من خلال رسالة مفتوحة وجهتها بتاريخ 27/04/2008 إلى وزير العدل، بفتح تحقيق حول ما وصفته الهيئة إهدارا للمال العام. حيث نبهت الرسالة إلى حوادث انهيار العديد من البنيات التحتية للطرق والقناطر قبل وعقب الفيضانات السابقة، بعضها لا يزال في طور الإنجاز مثل الانهيار المتتالي لأجزاء من القنطرة الموجودة بوادي أم الربيع على الطريق السيار سطات-مراكش، وانجراف التربة بالطريق السيار تطوان-المضيق بعد أقل من 6 أشهر على تدشينه، وانهيار القنطرة الموجودة بالطريق الرئيسية تازة-فاس، وتوقف قنطرة افندانوس بأيت السيمور عن الاستعمال ، إضافة إلى تصدع خطير بالقنطرة الموجودة بالطريق الرئيسية طنجة-تطوان، وانهيار جزء من الحاجز الرئيسي لميناء الجرف الأصفر، وانهيار رصيف تجاري بميناء العرائش
وأرجعت الرسالة المسؤولية في ما يقع إلى اتخاذ قرارا بتقليص مدة إنجاز الطرق السيارة دون احترام المدة التقنية التي تحددها وتفرضها الدراسات اعتمادا على المعطيات التقنية المرتبطة بالإكراهات الطبيعية ونوعية الموارد والتربة، وهو ما يؤدي إلى الانجراف والانهيار قبل الأوان للبنيات التحتية، وانخفاض قارعة الطريق، وانزلاق التربة كما وقع في الطريق السيار تطوان-المضيق.
وزارة التجهيز والنقل تنفي مسؤوليتها عما وقع
وفي رده على ما جاء في الرسالة، كان وزير التجهيز كريم غلاب قد أكد أن هذه «الاتهامات تبقى مجانية ومجانبة للصواب»، حيث نفى وزير التجهيز وجود أي تسرع في إنجاز الأشغال على حساب المواصفات التقنية وشروط السلامة، وأرجع انزلاق التربة بالطريق السيار تطوان-المضيق إلى «طبيعة المنطقة المعروفة بهذه الظاهرة، مؤكدا على أن المعالجة النهائية للمشكل تستلزم اللجوء إلى القناطر عوض تثبيت التربة مما يكلف أموالا باهظة»، وجدد التأكيد على أن الوزارة تحرص في أدائها على المال العام. من جهة أخرى، وربما ما يؤكد تصريحات كريم غلاب بعض الإجراءات التي تم اتخاذها إبان الفيضانات السابقة، حيث صرح المدير الإقليمي للتجهيز بإقليم تازة لوكالة المغرب العربي للأنباء، "أنه تم بناء قنطرة مؤقتة موازية لقنطرة (سبت بوقلال) على الطريق الجهوية الرابطة بين إقليمي تازة وقاسيطة التي انهارت مؤخرا، مشيرا إلى أنه سيتم إعادة بناء هذه القنطرة عند انتهاء الدراسات التقنية" مضيفا أنه" تم أيضا إصلاح قنطرة (حد جبارنة) التي تضررت هي الأخرى بسبب الفيضانات، وذلك في انتظار إعادة بنائها في السنة القادمة،كما تم إصلاح قنطرة صغيرة تربط دائرة أكنول بجماعة بويسلي، بالإضافة إلى إصلاح الحواجز الوقائية بجنبات الطريق".
حتى وإن كانت الوزارة الوصية قد تداركت الوضع عقب هذه الفيضانات فإن ذلك لا ينفي مسؤوليتها عن ما وقع يقول مسؤول بوزارة التجهيز والنقل الذي أرجع الأمر إلى غياب الصيانة، وما وقع الأسبوع الماضي يؤكد ذلك ويعيد الاتهامات التي حملتها الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب للوزارة حيث نفت هاته الأخيرة في اتصال هاتفي على لسان مسؤولة في ديوان الوزير كريم غلاب مصداقية ما تدعيه هذه الهيئة التي اعتبرتها غير مؤهلة لرفع تقارير لوزارة العدل كونها تبني معطياتها على رسائل مجهولة وليس على معطيات ملموسة وبالتالي " فنحن لا نعترف بهذه الرسائل المجهولة " مضيفة "أن الوزارة أعدت تقريرا عقب تلك الفيضانات أكدت من خلاله أن تلك الطرق والقناطر التي انهارت كانت قديمة وكان من المتوقع أن تتم إعادة بنائها".
مسؤولية ما وقع وما يقع تتحمله أيضا الجماعات المحلية بما فيها مديريات البناء والبلديات ومصالح الدوائر و الولايات والمكلفة بمراقبة توسع البناء و إقامة أحياء في مناطق خطرة. حيث تعاني المدن الصغيرة والقرى التي اجتاحتها مياه الأمطار من هشاشة وضعف البنية التحتية، نتيجة الفوضى والعشوائية في البناء ونقص التجهيزات وغياب التخطيط، ما يجعلها مهددة من طرف كابوس الفيضانات في أي لحظة. وفي نفس السياق أفادت رسالة توصلت بها "مغرب اليوم" من طرف المنسق الوطني للهيئة الوطنية لحماية المال العام محمد المسكاوي أن "ما خلفته هاته الأمطار الأخيرة من فضح للبنايات التحتية يؤكد مرة أخرى أنه نتيجة لسياسة عدم المراقبة والاستهتار بالمال العام الذي مورس منذ سنوات كما أن فساد بعض البنايات التحتية هو أيضا نتيجة لسوء التدبير وعدم احترام القانون وهو ما ميز سنوات الرصاص الاقتصادي سابقا" ويضيف المسكاوي.
"لا بد من الحديث على أن المسؤولية في هذه الفضائح على مستوى الطرق وبعض القناطر تتحملها الجماعات المحلية والتي تندرج ضمن اختصاصاتها، والحكومة في شخص وزارة التجهيز، وهنا نحن نطالب بفتح تحقيق عاجل ونزيه لتحديد أسباب هاته الخسائر عبر الإجابة عن مدى احترام المقاولات التي أشرفت على إنجاز تلك البنيات للقانون وعن المبالغ المالية التي صرفت".
فإلى متى ستظل طرقنا وقناطرنا وبنياتنا التحتية على شفى حفرة عقب أي تساقطات مطرية؟.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق